الشوكاني
271
فتح القدير
سورة الأعراف الآية ( 185 - 186 ) قوله ( وممن خلقنا ) خبر مقدم و ( أمة ) مبتدأ مؤخر و ( يهدون ) وما بعده صفة له ، ويجوز أن يكون ( وممن خلقنا ) هو المبتدأ كما تقدم في قوله - ومن الناس من يقول - والمعنى : أن من جملة من خلقه الله أمة يهدون الناس متلبسين بالحق أو يهدونهم بما عرفوه من الحق ( و ) بالحق ( يعدلون ) بينهم قيل هم من هذه الأمة ، وإنهم الفرقة الذين لا يزالون على الحق ظاهرين كما ورد في الحديث الصحيح ، ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة بين حال من يخالفهم فقال ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) والاستدراج : هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة ، والدرج : كف الشئ ، يقال أدرجته ودرجته ، ومنه إدراج الميت في أكفانه ، وقيل هو من الدرجة ، فالاستدراج : أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود ، ومنه درج الصبي : إذا قارب بين خطاه ، وأدرج الكتاب : طواه شيئا بعد شئ ، ودرج القوم : مات بعضهم في أثر بعض ، والمعنى : سنستدينهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها ، فينهمكون في الغواية ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة . قوله ( وأملى لهم ) معطوف على سنستدرجهم : أي أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عنهم العقوبة . وجملة ( إن كيدي متين ) مقررة لما قبلها من الاستدراج والإملاء ومؤكدة له ، والكيد : المكر ، والمتين : الشديد القوي ، وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب قال في الكشاف : سماء كيدا ، لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان ، والاستفهام في ( أولم يتفكروا ) للإنكار عليهم حيث لم يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيما جاء به و " ما " في ( ما بصاحبهم ) للاستفهام الإنكاري ، وهي في محل رفع بالابتداء والخبر بصاحبهم ، والجنة مصدر : أي وقع منهم التكذيب ولم يتفكروا أي شئ من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون ، فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلا ، وقولهم زورا وبهتا ، وقيل إن " ما " نافية واسمها ( من جنة ) وخبرها بصاحبهم : أي ليس بصاحبهم شئ مما يدعونه من الجنون ، فيكون هذا ردا لقولهم - يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون - ويكون الكلام قد تم عند قوله ( أو لم يتفكروا ) والوقف عليه من الأوقاف الحسنة ، وجملة ( إن هو إلا نذير مبين ) مقررة لمضمون ما قبلها ، ومبينة لحقيقة حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستفهام في ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) للإنكار والتقريع والتوبيخ ولقصد التعجيب من إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية ، والملكوت من أبنية المبالغة ، ومعناه الملك العظيم وقد تقدم بيانه ، والمعنى : إن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر ، ولا نظروا في مخلوقات الله حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به ، بل هم سادرون في ضلالتهم خائضون في غوايتهم لا يعملون فكرا ولا يمعنون نظرا . قوله ( وما خلق الله من شئ ) أي لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ولا فيما خلق الله من شئ من الأشياء كائنا ما كان ، فإن في كل مخلوقاته عبرة للمعتبرين وموعظة للمتفكرين ، سواء كانت من جلائل مصنوعاته كملكوت السماوات والأرض ، أو من دقائقها من سائر مخلوقاته . قوله ( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) معطوف على ملكوت وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها عسى وما بعدها : أي أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتون عن قريب . والمعنى : إنهم إذا كانوا يجوزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون